سعاد الحكيم

18

المعجم الصوفي

فقد أفرغ ابن عربي كلمة « توكل » وأمثالها من مقامات التصوف الكلاسيكي ومنازله ، من مضامينها الخاصة . ولكن جدليته لا تنتهي عند هذا النفي ، بل تعطي إثباتا بديلا ، يتميز المتوكل به عن المسمى في العادة غير متوكل ، بالوعي ( prise de conscience ) فالمتوكل هو من وعي هذا الواقع التوكلي الحادث . وهكذا تخطى الشيخ الأكبر كل المقامات الكلاسيكية التي تفترض إرادتين ووجودين ، إلى وحدة هي غنى مثقل بالمفاهيم والنسب والإضافات ، استوعب الثنائية الكلاسيكية كحدي تحقق جدلي . 2 - نقل مضمون الكلمة من مستوى إلى مستوى : نقل ابن عربي معظم المفردات ، ذات الدلالات النفسانية والعرفانية والاجتماعية والخلقية إلى مستوى وجودي تنفصل فيه عن قيم الخير والجمال ، لتعبر عن وجود كياني . مثلا : الكمال لم يعد يومئ إلى تصور خلقي متعارف بل يفيد جمعا صفاتيا في كينونة . فالانسان يعتبر كاملا ، أو يقترب من الكمال ، كلما جمع في كونه صفات مرتبته بغض النظر عن تقويمها عقلا وشرعا وعرفا . كذلك « الفناء والبقاء » نظر اليهما التصوف الكلاسيكي ، على أنهما حالان نفسيتان روحيتان معينتان . نقلهما الشيخ الأكبر في مرحلة ثانية ، إلى صعيد الوجود . فأضحى الفناء والبقاء برأيه هما فناء الوجود وزواله ثم عودة الوجود لا بذاته بل بمثله ( انظر كلمة « خلق جديد » ) . وهكذا انتقلت هاتان الكلمتان من ميدان الشعور والاحساس إلى ميدان الوجود العيني . 3 - تغير مضمون الكلمة في التعريف والتنكير تغيرا كليا : يستعمل ابن عربي بعض المفردات معرّفة ونكرة ، وقد نشعر من استعماله لها بتضارب تناقضي ، ان لم ننتبه لاستنباط الأساس الذي اعتمده في انتقاله بين التعريف والتنكير ، فالمصطلح معرفا هو ذات محددة بشخص معين ، ومنكرا هو صفة ومرتبة تطلق على كل من حصّلها . ونضرب لذلك مثلا : القلم ( معرفة ) - القلم الأعلى - أول مخلوق في عالم التدوين والتسطير . ( القلم هنا واحد )